أبي منصور الماتريدي
9
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - وأما الخبر : فمن وجهين : الأول : أنه ثبت بالتواتر أنه - عليه الصلاة والسلام - مات عن تسع ، وأمرنا اللّه باتباعه ؛ بقوله تعالى : فَاتَّبِعُوهُ [ الأنعام : 153 ] ، وأقل مراتب الأمر - الإباحة . الثاني : أن التزويج بأكثر من أربع طريقه ، عليه الصلاة والسلام ؛ فيكون سنة له . وقال - عليه الصلاة والسلام - : « النكاح سنتي وسنة الأنبياء من قبلي ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني » ، وهذا يقتضي الذم لمن ترك التزويج بأكثر من أربع ؛ فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز . أجاب القدماء بما روي أن غيلان أسلم - وتحته عشر نسوة - فقال له - عليه الصلاة والسلام - : « أمسك أربعا وفارق باقيهن » . وهذا ضعيف من وجهين : الأول : أن هذا نسخ للقرآن بخبر الواحد ، وذلك لا يجوز . الثاني : أن هذه واقعة حال ؛ فلعله - عليه الصلاة والسلام - إنما أمره بإرسال أربع ومفارقة البواقي ؛ لأن الجمع بين الأربع وبين البواقي غير جائز ، إما لنسب أو رضاع ، أو اختلاف دين محرم ، وإذا قام الاحتمال ؛ فلا يمكن نسخ القرآن إلا بمثله . واستدلوا أيضا بإجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع ، وهذا أيضا فيه نظر من وجهين : أحدهما : أن الإجماع لا ينسخ به ؛ فكيف يقال : الإجماع نسخ هذه الآية ؟ الثاني : أن هؤلاء الذين قالوا بجواز الزيادة على الأربع من جملة فقهاء الأمصار ، والإجماع لا ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين . وأجيب عن الأول بأن الإجماع يكشف عن حصول النسخ في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعن الثاني : أن هذا المخالف من أهل البدعة ؛ فلا عبرة بمخالفته . فإن قيل : إذا كان الأمر على ما قلتم ؛ فكان الأولى أن يقال : « مثنى أو ثلاث أو رباع » ؛ فلم جاء بواو العطف دون « أو » ؟ ! فالجواب : أنه لو جاء بالعطف ب « أو » - لكان يقتضي أنه يجوز ذلك إلا أحد هذه الأقسام ، وألا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام ، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية ، وبعضهم بالتثليث ، والفريق الثالث بالتربيع ؛ فلما ذكره بحرف الواو - أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسما من هذه الأقسام ، ونظيره أن يقال للجماعة : اقتسموا هذا المال وهو ألف : در همين در همين ، وثلاثة ثلاثة ، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة ؛ فكذا هاهنا في ترك « أو » وذكر الواو . وأجيب عن هذه الأقوال السابقة بأن الآية مسوقة لبيان الحل المقيد بعدد ، لا لبيان أصل الحل في ذاته ؛ لأنه معلوم من غيرها ، فذكر هذه الأعداد إنما هو لبيان الذي يحل منه ، والعدد وإن كان لا مفهوم له فذكره لا ينفي الحكم عما عداه ، إلا أنهم لم يستدلوا بالعدد من حيث هو عدد وإنما من جهة كونه حالا من مفعول « انكحوا » ؛ لأن الحال قيد في عاملها ، وعلى ذلك يكون الإحلال المفهوم من « أنكحوا » مفيدا بهذا العدد ، ويكون الحكم عن غيره منتفيا . ثم إن السنة الصحيحة والإجماع من السلف على قصر الحل على أربع . ولم ينقل أن أحدا من المسلمين همّ أو تزوج بأكثر من أربع ، كذلك لم ينقل أن أحدا من الصحابة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال بجواز الزيادة ، فكان ذلك إجماعا من الصحابة رضوان اللّه عليهم ، على وجوب الاقتصار على أربع . ولذلك قال مالك والشافعي - رحمهما اللّه تعالى - : « إذا تزوج خامسة - وعنده أربع - عليه الحد إن كان عالما » . وقال الزهري : « يرجم إذا كان عالما ، وإذا كان جاهلا عليه أدنى الحدين ، الذي هو الجلد وهو